السيد حيدر الآملي

394

تفسير المحيط الأعظم والبحر الخضم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم

وجعلهم مختلفين في الصّور والأشكال والآراء والاعتقادات كما كانوا مختلفين في الذّوات والماهيّات والحقائق . . . الوجود الخارجي مطابقا للوجود العلمي لئلّا يخالف علمه فعله وغيبه شهادته ، ولا يكون لأحد عليه اعتراض بأنّك لم جعلتني كذا وكذا وما جعلتني كذا وكذا ، لأنّ الفاعل ليس له إعطاء وجود القابل إلّا على الوجه الّذي هو علمه في نفسه ويطلب من الفاعل ذلك الوجود بلسان الحال ، وقد سبق في صورة المثال الّذي كان في الكتاب والكتابة والحروف الذّهنيّة والخارجيّة هذا المعنى بعينه ، ومع ذلك نرجع إليه ونقول مرّة أخرى : ( طلب الأعيان الثابتة الوجود الخارجي ) اعلم أنّ هذه الأعيان والماهيّات المعدومة في الخارج ، الثّابتة في العلم دائما تطلب الوجود الخارجي من الفاعل الحقيقي بلسان الحال والاستعداد والفاعل أيضا يقتضي ذاته دائما إفاضة الوجود الخارجي على القوابل الّتي هي الأعيان والماهيّات لأنّه جواد مطلق والجواد المطلق هذا شأنه أعني يكون مفيضا للخيرات دائما ، وجودا كان أو صفة ، علما كان أو حالا ، قولا كان أو فعلا ، فإذا طلب مثلا عين من تلك الأعيان منه تعالى - الّذي هو الفاعل الحقيقي - الوجود الخارجي بلسان الحال والاستعداد فالحقّ تعالى جلّ ذكره لا بدّ أن يفيض عليه ذلك الوجود الخارجي على حسب ما اقتضى استعداده وقابليته ، لأنّ الفاعل المطلق لا يتصرّف في القابل مطلقا إلّا على الوجه الّذي هو عليه من القابليّة ، وكذلك الجواد المطلق بالنّسبة إلى السائل مطلقا فإنّه لا يجود عليه إلّا على الوجه الّذي ينبغي أي على الوجه الأتمّ والأكمل ، أعني على قدر قابليّته واستعداده من غير إمساك وبخل ، لأنّ البخل ممتنع في حضرته تعالى اللّه عن ذلك . ( النقص والكمال اقتضاء الذات ومطابق للسؤال والقابليّة ) وعلى هذا التّقدير فإذا أفاض عليهم الوجود الخارجي على الوجه المذكور أعني بقدر القابليّة والاستعداد من غير زيادة ولا نقصان ، لأنّه لو أفاض عليهم فوق قابليّتهم ما قبلوا وكانت إفاضته عليهم عبثا والعبث عليه تعالى محال ، وكذا لو أفاض دون قابليتهم فأيضا ما قبلوا من عدم قابليتهم وكانت عبثا فلا يكون لموجود